الخميس، 3 مايو 2012

بن بلًة .. آخر العمالقة

بن بلّة..آخر العمالقة


عبد العزيز السيد*

أحمد بن بلّة الذي رحل في الحادي عشر من نيسان الجاري، هو آخر العمالقة من جيل القادة في النصف الثاني من القرن العشرين. عن عمر بلغ قرناً (96 عاماً بالتحديد ) فهو من مواليد الخامس والعشرين من شهر كانون الاول 1916، حياة أمضى صدرها في الجهاد لتحرير الجزائر واستقلالها الذي أنجز عام 1962، وتأسيس الدولة حتى أطاح به انقلابُ رفيق الكفاح والسلاح هواري بومدين 1965؛ فيما أمضى شطرها الآخر في السجن حتى رحيل بو مدين وإطلاق سراحه إبّان حكم الشاذلي بن جديد 1979، مبشراً بعد ذلك وحتى رحيله بتجربته ورؤاه في لبوس العصر، متمسكاً بثوابت الأمة لاسيما وحدتها وتحرير فلسطين والتآلف الوثيق بين العروبة الإسلام ومناهضة الظلم والاستعمار والصهيونية ينشرها بالإيمان والأمل والتحريض بالعمل، إذ رأى أنه لم يزل يسكن في الضمير الجزائري، ويعيش في الوجدان الإنساني خاصة العربي والإسلامي والأفريقي.
ولعل من يسأل- وذلك حقه- لمَ ندعوه بهذا اللقب الكبير، بل الكبير جداً (آخر العمالقة)؟ وبإيجاز نجيب: أليس العمالقة هم من قادوا أو شاركوا في قيادة كفاح شعوبهم ضد الاستعمار ووصلوا بها إلى الاستقلال؟!
أليسوا من انصرفوا بعد ذلك إلى مكافحة إرث الاستعمار الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، ثم انثنوا ينفضون الغبار عن هوية شعوبهم؟!
أليسوا من عُنوا بقضايا أمتهم تماماً كما عُنوا بقضية بلادهم؟!
أليسوا هم من انفتحوا على قضايا الحق والحريّة والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، ووقفوا نصيراً للمظلومين في وجه المستكبرين، وسنداً للمقاومة والمقاومين في وجه المستعمرين والطغاة؟!
أليسوا من اتسموا في حكمهم وسيرتهم بالتضحية والشجاعة كما بالنزاهة والنأي عن الفساد والاستبداد والتبعية؟!
وتركوا خلفهم بصمات الإنجاز في ذلك كله أو جُلّه، لتكون مسيرتهم منارة ومثلاً وقدوة؟!
لقد كان أحمد بن بّلة من هؤلاء.. وفي مناسبة رحيله نضيء على وقائع لعلها تؤكد هذا الذي ذهبنا إليه :
أحمد بن بلّة ولد ونشأ في الظلال السوداء لحكم المستعمر الفرنسي لوطنه الجزائر، في أسرة من الفلاحين الفقراء، وهم الأغلبية المسحوقة، الذين عدهم المستعمر مواطنين من الدرجة الثانية، صادر أرضهم ونهب ثرواتهم واستمتع بخيراتهم عبيداً أو كالعبيد، وغدوا يحرثون له ويزرعون ويحصدون أما هم فلا سكن ولا كساء، ولا تعليم ولا دواء، بل حتى ولا غذاء، فالجزائر- في قانون المستعمر- ليست بلداً عربيا، بل هي جزء من فرنسا بغلبة الاستعمار المحتل وبطشه والاستيطان وفحشه... وعلى ابن الجزائر واجبات المواطن الفرنسي ليست له حقوق، وفي صدر شباب بن بلّة كان عليه - المواطن الجزائري - أن يخوض غمار الحرب العالمية الثانية في جبهاتها الممتدة في أوروبا في سلك الجيش الفرنسي، لا دفاعاً عن الجزائر المفرنسة بالاحتلال، بل عن فرنسا القابعة هناك على الضفة الشمالية من البحر المتوسط، بل حتى مع قواتها الغازية للأقطار العربية الشقيقة في المشرق العربي : سورية ولبنان وسواها.
أحمد بن بلّة عاش هذه الحياة بكل أثقالها وعانى أوزارها، ثم انتسب إلى الحركات السياسية الوطنية التي تسعى إلى نيل حقوقها ( ديمقراطياً) ووقع في أحابيل الأحزاب وتطاحنها على المواقع والمناصب، فيما المواطن سادر عن ذلك، يغرق يوماً تلو يوم في الفقر والجوع والجهل والمرض محاصراً بالإذلال والقهر والبطش... يصحو بن بلّة ذات يوم من عام 1949 على " أيديولوجية "جديدة ليست بياناً حزبياً مكتوباً، ولا حجاجاً وجدالاً فكرياً أو فلسفياً، معمقاً أو مسطحاً...وذلك حين يتوجه إلى مواطن طحنته الأعوام ليقنعه بأن يُصوت إلى جانب حزبه، إذ لم يدخل المواطن معه في نقاش أو استفسار, بل اختزل الحكاية كلها بقوله : " يا بني هذا الذي تقول قد يحقق لنا تقدمات صغيرة، ولكن بعد قرن -وحينها سنكون جميعاً قد متنا- لا يا بني إن ما يلزمنا اليوم هو البنادق.
يمضي بن بلّة وقد لقحت في أعماقه بذرة الثورة، فيخرج هو وتسعة نفر من رفاقه في ذلك العام مصممين على الثورة, تغذِّيها في نفوسهم أيضاً تلك المذبحة الشهيرة سطيف (1945)، التي أزهق فيها الفرنسيون من الجزائريين أكثر مما أزهقت الحرب العالمية من أرواح الجزائريين (45) ألفا، لمجرد قيامهم برفع علم الجزائر في احتفال بالانتصار على النازية والفاشية، فكان ذلك هو جزاؤهم... يقرر بن بلّة ورفاقه مهاجمة بريد وهران للاستيلاء على ما فيه من أموال يستعينون بها في تمويل الثورة.. عملية تقود إلى اعتقاله لاحقاً، إلى أن استطاع الهرب بعدها من السجن، ليقصد مصر عام 1953، بعيد قيام ثورة يوليو 1952ببضعة شهور، وفيها يعاني وأصدقاؤه ضنك العيش، حتى أنهم أمضوا أربعة أشهر وطعامهم اليومي وجبة فول واحدة (ثمنها كما قال قرش واحد ).
في مصر التقى ثائر الجزائر بثوار مصر، هم يؤيدون الثورة، لكنما يختلفون معه في الرؤى، لذلك يرفض قبول التمويل منهم، ومن القاهرة يعلن بيان انطلاق الثورة في الأول من تشرين الثاني 1954، فيما تنطلق الرصاصة الأولى من ذرى الأوراس الأشم.
من القاهرة يدير بن بلّة الثورة سياسياً، ويهيئ لها الدعم والإسناد والدعم بالإعلام، والمال والسلاح، وهذه كلها عناصر متكاملة في فعل الثورة، إلا أن مصادرها الأساسية لم تكن كذلك، وكانت مناخات المنطقة في حينه معقدة بفعل سياسات الدول الاستعمارية: الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا التي تعصف بالمنطقة من خلال محاولات فرض المشاريع والأحلاف : النقطة الرابعة، حلف بغداد، ومبدأ أيزنهاور وبينهما النهوض القومي، والعدوان الثلاثي على مصر، سياسات فرّقت الأقطار العربية إلى حدّ التنافر والتنابذ، وفي حين كانت مصر ومن معها تقدم العون الأكبر للثورة الجزائرية، كان على الثورة أن تستقطب دعم الآخرين أيضاً من غير ما دخول في تلك الاصطفافات الحادة، وهنا تجلت عبقرية بن بلّة وصحبه الذين استقطبوا الأمة أنظمة وشعوباً، ولا أدل على ذلك من أن بلداً كالأردن، الذي كان على الضفة الأخرى من الموقف المصري لم يقتصر دعمه للثورة على ما كنا نقدمه، نحن أطفال وشباب تلك السنين من "تعريفة" أو قرش هي مصروف يومنا، ولا الحرفيون التجار والزرّاع، ولا استقبال طلاب جزائريين في دور المعلمين، بل بلغ إسهام الأردن أعلى مستوى وذلك بنقل السلاح للجزائر ( شباط 1955 )، على يخت الملكة دينا ملكة البلاد في حينه.. بل وعندما اكتشف الإسبان أمر اليخت بادرت الملكة إلى إبلاغ الإسبان أن استخدام يختها رُتّب بعلمها، ما يفهم منه أنه موقف الملك والنظام بالطبع.
ومن المحطات البارزة دوره في الثورة بعد وقوعه وبعض رفاقه في الأسر الفرنسي في 22 تشرين الاول عام 1956، قبيل العدوان الثلاثي على مصر بأسبوع واحد، في عملية قرصنة جوية شهيرة، وهم في طريقهم من المغرب إلى تونس، تلك العملية التي قادته إلى السجون ستة أعوام حتى توقيع اتفاقية إفيان للسلام مع فرنسا، فقد استطاع بصموده المذهل إدارة شؤون الثورة بكفاءة نادرة، وتمكن من تجاوز كل المناورات والمؤامرات والإغراءات والترهيبات التي واجهته من خلف القضبان، ففرض على الجميع: القيادات الجزائرية والحكومات الفرنسية حتى ديغول نفسه، أن لا يُبرَم الاتفاق إلا بعد موافقته، فخرج من ظلام السجن إلى فضاء الاستقلال. يختصر هذه السنوات العجاف بقوله " ليس كالسجن مكاناً شريفاً للمناضل السيئ الحظ، إنني اليوم أيضاً على استعداد للعودة إليه بدلاً من أن أخون القضية التي أخدمها".
كانت قبلتهم الأولى في العودة إلى الوطن بعد الرباط هي القاهرة، فهي التي من على ضفاف نيلها أعلن انطلاق الثورة في العالمين، وهي الشقيقة الكبرى التي كان دعمها اللامحدود للثورة هو - مع تأميم قناة السويس - أهم عاملين استدعيا العدوان الثلاثي عليها. كانت الزيارة واجب وفاء حمله بن بلّة ورفاقه، والجزائر كل الجزائر، لعبد الناصر ومصر، وظل يردد (وسمعتها منه في القاهرة قبيل بضعة أعوام ) "أنا ناصري، ناصري، وسأبقى كذلك وإلا لا أكون عربياً ولا جزائرياً". زار بعدها العراق، وبذلك مثلت زيارته تكامل الإقليم العربي جيوسياسياً.
بعد إجراء الاستفتاء العام الذي قرر الاستقلال، شكّل بن بلّة الحكومة الجزائرية الأولى في 27 أيلول 1962 فطوت الجزائر الحقبة الاستعمارية الفرنسية التي امتدت قرناً وثلث القرن من الزمن (132 سنة)، طار بعدها بأيام إلى نيويورك يشهد تتويج جهاد شعبه برفع العلم الجزائري على سارية الأمم المتحدة إعلاناً عن الاعتراف الأممي بهذا الاستقلال.

* أمين عام المؤتمر العام للأحزاب العربية

الخميس، 26 أبريل 2012

القدس تجمعنا . . . لا تجعلوها فتنة بيننا


القدس تجمعنا . . . لا تجعلوها فتنة بيننا

عبد العزيز السيد

 

وليس يصّح في الأفهام شيءٌ                 إذا احتاج النهار إلى دليل

المتنبي

 

على امتداد تاريخ الصراع العربي الصهيوني، بل وعلى امتداد التاريخ كله، كانت القدس الشعلة التي توقد المواجهات والانتفاضات الفلسطينية، منذ مواسم النبي موسى وثورة البراق المجيدة وحتى انتفاضة الأقصى، إلى عمليات الاستشهاديين والاستشهاديات.

كلما أصابها عدوان تنادى العرب والمسلمون إلى عقد المؤتمرات لحفظ عروبتها وصون هويتها، ودرء العدوان عنها، ومع أنّ هذه المؤتمرات والحراكات كانت أعجز من أن تحقق إنجازات تليق بالقدس ومكانتها وواجب تحريرها، إلا أنّ أحداً لم يستطع أو يجرؤ على إعلان التفريط بها أو التنازل عن ذرّة من ترابها، فقط هو السادات الذي انتهك حرمات الصراع العربي الصهيوني وخان الدم المصري وكل دماء وتضحيات الأجيال حين أقدم على زيارته المشؤومة لها، وهي زيارة أكد قادة فلسطين في حينه رفضها كما رفضتها الأمّتان العربية والإسلامية.

قادة فلسطين منذ بدأ الصراع المعاصر على فلسطين عَضّوا على القدس بالنواجذ.

الحاج أمين الحسيني حشد لها المسلمين من أقاصي الأرض وعقد لها المؤتمر الإسلامي الكبير 1931 حينما هُدّد حائط البراق الشريف.

أحمد الشقيري عقد فيها على ذرى جبل الزيتون المؤتمر الفلسطيني الذي أسس منظمة التحرير الفلسطينية وافتتحه الملك الراحل الحسين رحمه الله تأكيداً على أن القدس هي عاصمة فلسطين. ياسر عرفات لم تشفع له أوسلو المُذلّة وظل يردد مقولته الإيمانية الاستراتيجية : سيرفع شبل من أشبال فلسطين أو زهرة من زهراتها علم فلسطين على الأقصى والقيامة فقضى شهيداً لأنه أبى في كامب ديفيد التنازل عن القدس.

كامب ديفيد الأولى قتلت السادات لأنه خان القدس وكامب ديفيد الثانية أودت بعرفات شهيداً لأنه لم يفرط بها. وأشهد أنه قال لي غداة زيارة السادات للقدس ردّاً على سؤال يتعلق بالزيارة والاختراق الساداتي: "تسوية بدون القدس ، خطيئة تقتل صاحبها".

وقد وعينا صغاراً على مقولة المرحوم الملك عبد الله شُلّت يميني إن نسيت القدس أو نسيتك يا فلسطين، وعلى عتبات الأقصى قضى رحمه الله.

وعشنا نسمع المرحوم الملك فيصل بن عبد العزيز يرد على اقتراحات كسنجر لحلّ القضية الفلسطينية ينهي اللقاء بسؤاله :هل يحقق لي ما تقول الصلاة في المسجد الأقصى –أي هل يحرّر القدس . . ! وأخيراً مضى شهيداً دون القبول بحلْ لا يعيد الأقصى.

أما فلسطينياً فالحديث عن القدس طويل طويل، فمنذ دخل دايان إلى باحات الأقصى غداة احتلال عام 1967 تداعى رجالات المدينة وأسسوا الهيئة الإسلامية العليا التي صدت محاولات الهيمنة على الشأن الإسلامي  المسيحي تحت عباءة وزارة الأديان الصهيونية، وطرح رئيسها الأول المرحوم الشيخ عبد الحميد السائح الشعار الذي ما زال صرخة كل المقدسيين مسلمين ومسيحيين : لا صلاة تحت حراب الاحتلال.

ومنذ ذلك الحين حظر الراحل الكبير البابا شنودة الصلاة تحت حراب الاحتلال أيضاً.

ولن نذهب بعيداً ففي يوم الأرض من هذا العام تنادى الملايين لنصرة القدس، في وقفات مشهودة شارك فيها أنصار القدس وفلسطين من قارات العالم أحاطت بثغور فلسطين كالسوار بالمعصم تقول :

"القدس عاصمة فلسطين والعرب والمسلمين"

وفي ذلك اليوم المجيد، يوم الأرض، يوم الزحف المليوني لنصرة القدس يطلق رئيس السلطة الفلسطينية للمرة الثانية دعوته في قمة بغداد لكي يزور العرب والمسلمون القدس تحت حراب الاحتلال، وكان من قبل أطلقها في مؤتمر لنصرة القدس في الدوحة . . .

والآن وقد شهدنا زيارة الداعية اليمني الجفري والمفتي المصري جمعة للقدس لا تحت حراب الاحتلال وحسب بل وبإذن الاحتلال وحمايته (نفى ذلك الداعية اليمني والمفتي المصري إلا أن الاحتلال أكد ذلك وأهل القدس كذلك).

وثار الجدل الفقهي والديني . . . وبعيداً عن الانغماس في هذا الجدل، أفلا يجدر بنا أن نرى ونتأمل أن الزيارتين ترافقتا مع قرار الاحتلال منع خطيب الأقصى من دخول الأقصى الشيخ عكرمة صبري وقرار الاحتلال بمنع شيخ الأقصى رائد صلاح من دخول القدس والأقصى.

يا قوم إن اختلفت الأمة على القدس، فعلام ستجتمع...ألا تكفي فلسطين فتن الخلافات السياسية ... ألا تكفي القدس آلامها ...

 يا أيها الإنسان استمع لصوت الإنسان في القدس: الشهيد والأسير والصامد، أهلها هم وحدهم ضميرها الناطق باسمها في الأقصى والقيامة.

 دعوا القدس تجمعنا ... ولا تجعلوها فتنة بيننا ...فالقدس لن ترحم منا أحداً.

 

الأربعاء، 25 أبريل 2012

لا للتطبيع بأي شكل أو مبرر

للمفارقة، في ذات الوقت الذي دخل فيه علي جمعة مفتي الديار المصرية الأقصى برعاية أردنية وموافقة صهيونية ليسجل على نفسه وتاريخه قيامه بأكبر عمل تطبيعي منذ اتفاقيات كامب ديفيد، كانت سلطات الاحتلال الصهيوني تصدر قراراً تمنع فيه الشيخ عكرمة صبري شيخ الأقصى وخطيبه من دخول الأقصى الشريف لمدة شهرين. وكذلك تمنع الشيخ رائد صلاح من دخوله وتحدد أعمار من يحق له الدخول لأداء صلاة الجمعة. خبث الصهاينة ليس له حدود. هذه المفارقة أهديها لكل من يظن أن المفتي دخل القدس والأقصى دون موافقة سلطات الاحتلال الصهيوني التي تتحكم بكل شاردة وواردة في الحرم القدسي الشريف. أفيقوا يا عرب، القدس تحتاج الدعم بالمال والرجال وليس لزيارات لا تسمن ولا تغني من جوع.


الخميس، 12 مايو 2011

الانتفاضة الفلسطينية الثالثة


الانتفاضة الفلسطينية الثالثة

 

سيكون يوم الجمعة الموافق 13 مايو 2011 يوماً عادياً بمقاييس الثورات الشعبية العربية. فهو اليوم الذي ستبدأ فيه فعاليات الانتفاضة الفلسطينية الثالثة – انتفاضة العودة والتحرير. وفق ما أعلن عنه المنظمون لهذه الفعاليات سيكون يوم الجمعة يوماً للحشد والنفير استعداداً للزحف المليوني نحو فلسطين من الدول المجاورة لها ومن داخل الضفة وغزة نحو الحواجز الصهيونية والأراضي المحتلة عام 48.

هل وصلت موجات الثورة العربية إلى فلسطين؟ كانت فلسطين رائدة دائماً وملهمة للثورات في الوطن العربي والعالم الثالث عموماً، لكنها اليوم تستلهم انتفاضتها الجديدة من وحي الثورات الشعبية العربية وتحديداً تلك في مصر وتونس. هذه المرة تم استخدام وسائل الاتصال والتواصل الحديثة للتنسيق بين الشباب حول العالم كي تتزامن أحداث الزحف نحو فلسطين مع أنشطة متنوعة داعمة في العديد من الدول العربية والأجنبية. وهكذا يفترض أن نرى الفعاليات الشعبية الفلسطينية والعربية في نفس الوقت في فلسطين والأردن ومصر ولبنان وسوريا وبعض الدول العربية الأخرى ودول أوروبا. هذه المرة لن تكون الجماهير العربية تتحرك بدافع رد الفعل، بل هي تتحرك للمشاركة في الحدث كشريك كامل فيه صناعته. هذه هي إحدى ثمرات ربيع الثورات العربية.

ما دورنا نحن العرب والفلسطينيين الذين نعيش بعيداً عن فلسطين في هذه الانتفاضة؟ هل نكتفي بمشاهدة ومتابعة أحداثها عبر شاشات الفضائيات المختلفة، أم أنه آن لنا أن نقوم بأدوار أكثر إيجابية، أن نقوم بواجبنا أمام الله والوطن وأمام أبنائنا الذين سيكبرون ليسألونا عما فعلنا من أجل مستقبلهم ومستقبل الأوطان؟ لا شك أن السلبية لم تعد أمراً يمكن تبريره بعد الحراك الشعبي الكبير الذي شهدناه في الأشهر الماضية في كل أوطاننا العربية. فسقف الحرية المتاحة للحركة أصبح أكبر واستعداد الجماهير للتجاوب مع نداءات القوى الوطنية والإسلامية أصبح أكبر.

على كل منا أن يفكر فيما يستطيع أن يقدمه من أجل دعم حراك انتفاضة العودة والتحرير في موقعه وفي البلد الذي يعيش فيه. البعض قد يستطيع دعم الفكرة عبر نشاطه على الإنترنت، آخرون يستطيعون أن يكتبوا ويشجعوا الناس على المشاركة ويوضحوا لهم ما خفي عنه، أخرون يستطيعون أن يدعموا الفكرة بالمال والجهد. فيما قد يستطيع البعض المشاركة المباشرة عبر الانضمام لجموع الزاحفين، وهم بحاجة لحشد أكبر عدد من الناس، فالعبرة اليوم بالأعداد الكبيرة التي تؤكد على التصميم على العودة وتمثل الجماهير الغفيرة المؤيدة لها.

نحن مدعوون جميعاً اليوم للمشاركة الإيجابية في قضية فلسطين والجهود المبذولة لتحريرها، كل على قدر استطاعته، فالأقصى ليس ملكاً لأهل القدس ولا لما حولها، إنه ملك الأمة كلها، وواجب تحريره يقع على عاتق جميع أبناء الأمة وخصوصاً الشباب القادر على الحركة وابتكار وسائل المقاومة المختلفة ونشر ثقافة المقاومة في المجتمعات العربية القريبة والبعيدة من أجل يوم التحرير الذي اقترب كثيراً، أقرب مما قد يتخيل البعض.

الوقت قصير، ويوم 15 مايو ليس بعيداً، لنتحرك بسرعة ونكون من أصحاب المبادرة في دعم الانتفاضة الفلسطينية الثالثة.

 

 

الثلاثاء، 19 أبريل 2011

ناصر الخرافي .. العربي القدوة

 

مفجع كان خبر وفاة ناصر الخرافي، رجل المبادئ والأخلاق العالية الذي حرص على التمسك بالقيم العليا بعيداً عن أي حسابات لمصلحة أو منفعة ذاتية. هو رجل الأعمال الأبرز لكنه أبداً ما اهتم بجمع المال والمباهاة بثروته، وكأنما هو متجرد في إخلاص لعمل يبغي فيه وجه الله ومساعدة الخلق فأتى إليه المال سعياً.

ناصر الخرافي ابن العائلة العريقة، كان رجلاً توضحت معاني الرجولة في شخصيته منذ بداية شبابه، فها هو يترك مقاعد الدراسة وينزل إلى شوارع بورسعيد يقاوم العدوان مع المقاومين، وبور سعيد في ذلك الوقت كانت رمزاً من رموز المقاومة الشعبية في العالم العربي.

وحينما دلف إلى عالم التجارة والأعمال، ظلت قوميته متقدة بعيداً عن السياسة ودهاليزها. فهو الحريص على الاستثمار في الدول العربية المختلفة، كاشفاً بعمله لا بقوله كذب أو خطأ من نادى من رجال الأعمال العرب بالابتعاد عن الاستثمار في الوطن بحجة عدم الاستقرار أو عدم الجدوى الاقتصادية وغير ذلك. إذ أصبح ناصر الخرافي من أبرز رجال الأعمال العرب وأنجحهم وأكثرهم ثروة من وراء استثماراته في الدول العربية التي فتحت له قلوبها قبل اقتصاداتها لأنها رأت فيه نموذج رجل الأعمال الوطني الذي يسعى لأن يفيد اقتصاد البلد في نفس الوقت الذي يطور فيه الأعمال ويحقق فيه الأرباح. وتلك هي المعادلة الرابحة لمن يعي.

مشاريع الخرافي الممتدة على طول العالم العربي من مشرقه إلى مغربه، ومن شماله إلى جنوبه تحكي قصة نجاح ممتدة عبر الزمن في إطار التعاون والتضامن العربي المشترك. فمن يملك يقدم لمن لا يملك. يقدم فرص العمل ومشاريع البنية التحتية وغيرها من مشاريع تساهم في تطوير اقتصاديات الدول، دون التغافل عن الجدوى الاقتصادية لأي مشروع من هذه المشاريع. ولا غضاضة في ذلك، لأن رجل الأعمال إن لم يحقق الربح فلن يستطيع تمويل المزيد من المشاريع وتطوير أعماله.

أبو مرزوق الرجل كان بحق رجل المواقف السياسية، ليس من منطلق السياسة التي ابتعد عنها طيلة حياته، وإنما من منطلق الرجولة والشهامة والكرامة. ولعل هذا ما يفسر وقوفه الصلب والمبدئي مع المقاومات العربية المختلفة عبر سنين عمره. فمن مشاركته العملية في المقاومة في مصر إلى دعمه الثابت للمقاومة الفلسطينية، ونصرته الدائمة للمقاومة اللبنانية. كانت رسائله في الدفاع عن هذه المقاومات عبر السنوات القليلة الماضية تأتي في أوقات حرجة يتكاثر فيها هجوم الطابور الخامس على عناصر هذه المقاومات وقياداتها، في محاولة لإضعاف تأثيرها على الشعوب العربية وزعزعة مكانتها عندهم. كان بحسه الذي لا يخطئ وبنظرته الاستراتيجية الثاقبة يتلمس اللحظات الحرجة هذه فيخرج صوته مدوياً في نصرتها. ليذكر الجميع بأن دعم ونصرة المقاومات الساعية لتحرير الأرض العربية من الاحتلال الصهيوني هو الواجب الأهم والأسمى لكل عربي يحترم نفسه وأمته.

كان يمكن لهذه المواقف أن تؤثر على أعماله في بعض الدول إن لم يكن في أغلبها، لكنه كان يطلقها غير خائف. كانت كرامته ونخوته تمنعانه من أن يتراجع عن نصرة الحق في سبيل المصلحة الذاتية. هكذا تربى ناصر الخرافي وهكذا نأمل أن يكون ورثته وتلاميذه، لا يخافون في الحق لومة لائم. فهم أبناء ذلك الأسد الجسور الذي اقتحم بحور الأعمال والسياسة فكان في كلاهما نبراساً وقدوة لشباب الكويت والأمة كلها وخصوصاً رجال الأعمال.

رحمك الله يا ناصر الخرافي فقد امتلكت شجاعة الموقف في زمن عز فيه الرجال. فأكرمك الله حقاً بالعيش العزيز والموت الكريم.

الخميس، 7 أبريل 2011

الآفاق المرعبة والمذهلة للثورة العربية

                                 الآفاق المرعبة والمذهلة للثورة العربية

                                                                                                      منصف المرزوقي

 

بدايةً نقطة نظام : ثمة من يستعملون مصطلح الثورات العربية وهو أمر لا يجوز، حيث لا مجال للحديث إلا عن الثورة العربية بالمفرد، فمما لا جدال فيه:

- أن أسبابها واحدة وهي تسلط الفرد وحق أهله في الفساد، وحكم الأجهزة البوليسية، وخصخصة مؤسسات الدولة لخدمة الأفراد والعصابات بدل خدمة الوطن والشعب.

- أن أهدافها واحدة، حيث لم يرفع أحد مطلب بناء دولة العمال والفلاحين أو إقامة الخلافة، وإنما اتفقت كل الشعوب على الشعار الذي رُفع في تونس وصنعاء والمنامة والقاهرة وبنغازي "الشعب يريد إسقاط النظام"، وعلى مطلب مجلس تأسيسي ودستور يضمن بناء الدولة المدنية والمجتمع الحرّ ويقطع نهائيا مع الاستبداد.

- أن وسائلها واحدة، فكل الانتفاضات كانت سلمية وإن ووجهت برصاص المجرمين.

- أن طبيعتها واحدة: شعبية، مدنية، شبابية، بلا قيادة مركزية وبلا أيدولوجية. أمام هذه القواسم المشتركة، أيُّ أهمية لفوارق طفيفة؟

ليكفّ إذن البعض عن استعمال مصطلح الثورات العربية، فالأمر إما خطأ غير مقصود يصلّح، وإما موقف وإصرار واعٍ على تجزئة أمتنا ولو على صعيد التسميات كما تفعل الإدارة الأميركية، عندما ترفض للأمة وجودها متعاملة مع "الشرق الأوسط" و"شمال أفريقيا". السؤال الآن -حتى لو كانت الثورة لا تشمل لحظة كتابة هذا النص إلا ثلث الأمة- هو: إلى أين تتجه؟ وما هو مآلها في الأمد القصير والمتوسط والبعيد؟

يمكننا التوقع بأن آثارها ستنتشر خارج حدود الوطن، وما عصبية الحكومة الصينية هذه الأيام إلا الدليل على توسّع دائرتها إلى حيث لا نتوقع. والثابت أنها ستمتد إلى كل أقطار الوطن، ولكل من يحاول مغالطة نفسه في المغرب والسعودية وسوريا أو الجزائر باستقرار نظامه، أن يتذكر أن أنظمة تونس ومصر وليبيا كان كل منها هو أيضا "مستقرا". كم صدقت الفيلسوفة الألمانية هانا أرندت عندما قالت إن خاصية الدكتاتورية أن كل شيء فيها يبدو على ما يرام إلى حدّ الربع الأخير من الساعة الأخيرة.

الثابت أيضا أننا مثل ركاب باخرة كانت تطفو ساكنة على سطح مستنقع نتن، ثم وجدت نفسها وسط أعتى العواصف، ولا أحد قادر على التكهن في هذه اللحظة بأننا سنغرق جميعا أم سنصل برّ النجاة، ولا بطبيعة ذلك البر. هل يمكن لتجارب الشعوب التي قامت قبلنا بثورات أن تعيننا على تصور ما الذي ينتظر الثورة العربية؟ المشكلة أن هذه التجارب لا تبعث على التفاؤل، وهي تصف لنا مستقبلا قاتما وربما أخطر وأقسى مما عرفنا. لنتأمل بعض الثوابت التي تتردّد عبر التاريخ حتى تكاد تكون قوانين.

لا بد أحيانا من زمن طويل حتى تحقق الثورة أهدافها.. هذا إن حققتها. قامت الثورة الفرنسية عام 1789 بهدف بناء مجتمع الأخوة والحرية والمساواة، أي إنشاء نظام جمهوري وديمقراطي. إلا أنه مرت أربع سنوات قبل الإطاحة بالملك، ثم عادت الدكتاتورية عبر نابليون الذي نصّب نفسه عام 1804 ليس ملكا فقط وإنما إمبراطورا، وبعده عادت الملكية عام 1814 ممثلة في لويس الثامن عشر، ثم من بعده شارل العاشر عام 1824 والذي قامت عليه ثورة 1848، ومع هذا عادت الدكتاتورية مجددا في ثوب نابليون الثالث عام 1852، ولم تنشأ الجمهورية إلا بعد هزيمة نظامه في الحرب ضد بروسيا عام 1870. قرابة قرن إذن قبل أن تتحقق أهداف الثورة الفرنسية، والأمر ليس شاذا وإنما قاعدة، وإن تباينت مدة الجزر وتوقيت عودة المدّ.

لاتقوم ثورة إلا و قامت لها ثورة مضادة. من يفقدون السلطة لا يتبخرون ولا يذوبون كالسكر في الماء، وإنما يتراجعون خلف الستار للتآمر على قلب النظام الذي انقلب عليهم، وإن عجزوا عن الأمر بذلوا كل ما في وسعهم لعرقلة المسار الثوري وتشويهه.. هذا بالضبط ما نشاهده في تونس حيث فلول المافيات التي تركها نظام بن علي تتعاون مع فلول البوليس السياسي والحزب المنحلّ لبث الفوضى والعنف في البلاد، على أمل أن يزرعوا اليأس والندم في قلوب الناس ليترحموا حسرة على زمن الأمن في عهد دولة البوليس. أخبث الأعداء طبعا من يلتحقون بالثورة في آخر لحظة لتقويضها وإفراغها من مضمونها من الداخل، وهؤلاء داء بلا دواء. لكل ثورة ثمن باهظ.

بغضّ النظر عن القوى الهدامة التي تحركها الثورة المضادة، فإن هناك في الثورة نفسها قوى جبارة تدفع إلى الفوضى والعنف وعدم الاستقرار. فلا بدّ بالنسبة للثوريين من مجابهة الأعداء بالمقاصل والمشانق والسجون، وآنذاك تعود الآلة الجهنمية للقمع السياسي إلى العمل مع كل مضاعفاتها الكلاسيكية، ومن أولها الالتفاف على الثوريين أنفسهم.

عرفت الثورة الفرنسية فترة الرعب التي شهدت فيها قطع آلاف الرؤوس، ثم انتهت بقطع رؤوس القاطعين ومن أشهرهم روبسبيار ودانتون.. إنها لعنة القطة التي تأكل أطفالها. ثمة أيضا تفجر المطالب الاجتماعية والسياسية المعلقة تحت الاستبداد، وهي مطالب يستحيل على أي نظام سياسي تلبيتها.. كل هذا في ظروف تفجّر المطامح الشخصية والجهوية والحزبية -المشروعة منها وغير المشروعة- والصراعات الشريفة وغير الشريفة على السلطة. الثوار ليسوا من يجنون ثمار الثورة.

بعد الثوريين يأتي عهد الانتهازيين، وبعد الملحمة يأتي عهد خيبة الآمال، إذ يعود فقراء سيدي بوزيد إلى فقرهم، ويعود سكان المقابر في القاهرة لمقابرهم. فلا حلول جذرية لمشاكلهم وإنما كثير من الوعود التي قد تتحقق وقد لا تتحقق. أما من تغنم الغنيمة الكبرى ففي حالتنا هي البرجوازية التي كانت تتنعم تحت الاستبداد بمستوى مادي مقبول، لكن الاستبداد بقمعه للحريات وبفساده كان يسمم حياتها. وبتخلص الوطن من الاستبداد، ها هي تضيف -بفضل تضحيات المغلوبين والمساكين- إلى حقوقها الاقتصادية والاجتماعية حقوقَها السياسية التي كانت ممنوعة منها، بينما تجد الطبقات الفقيرة نفسها حائزة على حريات سياسية لا تسمن ولا تغني من جوع.

لقائل أن يقول "فال الله ولا فالك"، هل يجب أن ننتظر نحن أيضا قرنا من الزمن لنحقق أهداف ثورة تعِدنا بأنها ستكون زمنا طويلا من الفوضى والعنف وخيبة الأمل، والمزيد من الفرص الذهبية للانتهازيين؟ لا تعجل عليّ باللوم فهذه قراءة النصف الفارغ من الكأس. والآن لرفع المعنويات هذه قراءة النصف الملآن وفيها المنجزات الثلاثة العظمى للثورة العربية، وهي لم تتجاوز بعدُ شهرَها الثاني.

الإنجاز العظيم الأول هو إعادة بناء الإنسان العربي، إذ فجأة وبدون مقدمات -أو هكذا يبدو- قطع الإنسان العربي مع حقبة كان فيها رعية لراعٍ. ولسائل أن يسأل: أين ذهب ذلك العربي العاجز الجبان الرعديد المحبط السلبي؟ ومن أين خرج هذا الشباب الثائر بكل شجاعته ووقاحته وتحديه؟ قد تكون الإجابة أن شطط النظام الفاسد في القمع والفساد والتزييف والاحتقار وضع الإنسان العربي أمام تحدٍّ وجودي: أكون أو لا أكون، فقرّر أن يكون.

ونظرا لموازين القوى اختار أن يسكت دهرا مستبطنا ومفكرا ومقيّما لحظة الانقضاض على جلاديه، وكان الأغبياء يأخذون طول ترقبه لهم على أنه استكانة نهائية واستسلام شامل. يا حكام العرب الذين ما زلتم تحكمون بعقلية الماضي، ويا حكام العرب في المستقبل انتبهوا، أمامكم إنسان جديد استرجع كرامته وثقته في نفسه وشعبه ولن يسمح لأحد أن يحتقره مجددا، ولا تنسوا أن السيد من هنا فصاعدا هو من يعطي المثل لا من يعطي الأوامر.

الإنجاز العظيم الثاني هو إعادة بناء الشعوب العربية، فالدكتاتورية لا تعيش إلا إذا نجحت في خلق غبار من الأفراد يخافون منها ويخافون من بعضهم البعض، ويمرّ الأمر بمنع كل تواصل لا تتحكم فيه الدكتاتورية. ذلك ما حاوله استبدادنا البغيض، لكن الثورة صهرت في بوتقتها الأفراد المعزولين عن بعضهم البعض وخلقت منهم مجموعة بشرية متلاحمة تثق في بعضها البعض وتواجه الموت جنبا إلى جنب، لفرض حقها في العيش الكريم. الأخطر من هذا أن هذه المجموعة التي نحتها لهيب الثورة اكتشفت قوتها وأنها قادرة على سحق الطغاة وكنسهم كما لو كانوا كدسا من القاذورات. عن هذا الاكتشاف الهائل يتولد الشعور بالفخر والاعتزاز بالانتماء.. هكذا أصبحت الثورة لحظة تأسيس جديد ستبقى في ذاكرة الأجيال القادمة عنصرا أساسيا في تكوين هوية ذلك المارد النائم بعين واحدة طوال الحقبة المظلمة: الشعب.

الإنجاز العظيم الثالث هو إعادة بناء الأمة العربية، ولنتذكر أن الدكتاتورية بغّضت العربي إلى العربي باصطناعها خصومات الجزائري ضد المغربي والكويتي ضد العراقي واللبناني ضد السوري.. إلخ, والحال أنها لم تكن إلا معارك بين أنظمة شرسة غبية تتخاصم حول تقاسم النفوذ الشخصي، دون أدنى انتباه إلى المصلحة العامة. هي بغّضت إلى العرب حلم الوحدة العربية عندما ربطته بهذا النظام الاستبدادي أو ذاك، وهي جعلت كل عملية تقارب مستحيلة لأن الدكتاتوريات لا تتحد وإنما تتحارب، وكل دكتاتور لا همّ له إلا منع الدكتاتور الآخر من التعدي على مزرعته وقطيعه. الأخطر من هذا كله أنها بغضت إلى العرب أنفسَهم وهم يشاهدون تفككهم وعجزهم وتخلفهم وتواصل مأساتهم في ظل الاحتلال الداخلي والاحتلال الخارجي.

كل هذا انفجر مع الثورة المباركة.. هذه الأيام لا أحد ينتبه في تونس إلى ما يجري في تونس رغم دقة الأوضاع، وكل الأعين موجهة إلى ما يجري في ليبيا الحبيبة، وقبلها كانت أيادينا على قلوبنا خوفا من انتكاسة الثورة في مصر، وفي اليمن مشى المتظاهرون ينشدون النشيد الوطني التونسي لأن فيه الأبيات الخالدة لشاعر الأمة أبو القاسم الشابي. من ينكر اليوم أننا أمة يخفق قلبها بنبض واحد، وأن قناة الجزيرة هي اليوم من يعدّل النبض على نفس الإيقاع؟! أما أن يكون لهذا المعطى تداعيات بالغة الخطورة -ومنها عودة المشروع الوحدوي بقوة- فأمر لا شك فيه.

نعم الأحداث حبلى بدول عربية ديمقراطية تحررت من الاحتلال الداخلي وأحرزت استقلالها الثاني. وبانهيار الدكتاتوريات ستُرفع أكبر عقبة ضد التوحيد السياسي لأمة متحدة ثقافيا ووجدانيا، وستُرفع أيضا أوهام التوحيد الاستبدادي الذي كان دوما جزءا من المشكل لا من الحل. كما استطاعت أوروبا أن تتحد بعد انهيار الدكتاتوريات النازية والفاشية والشيوعية، فإن الأمة العربية ستبني على غرارها -بل وأحسن منها- اتحاد الشعوب العربية الحرة، والذي سيجعل من العرب المجموعة البشرية الثالثة بعد الهند والصين، ويعيد إليهم مكانهم في هذا الزمان.

إن فتح الفضاء العربي من المحيط إلى الخليج لتحرك الإنسان والرساميل في ظل أنظمة تحارب الفساد والظلم، سيعطي لأمتنا حيوية ستفاجئ كل الأمم، وسيمكننا من تفادي المستقبل المظلم الذي تنبأ لنا به تقرير 2009 لمنظمة الأمم المتحدة للإنماء، بل وقد يجعلنا لاعبا أساسيا بين القوى العظمى الخمس أو الست.

هذا ما سيعيد ترتيب شؤون العالم بكيفية لم يحسب لها كبار المخططين حسابا. منذ ثلاثين عاما وتحديدا عام 1981، صدر لي في تونس أول كتبي وعنونته "لماذا ستطأ الأقدام العربية أرض المريخ؟"، تحديا لكل من يحتقرون أمتنا سواء أكانوا من أبنائها أو من أعدائها، ودعوة للإيمان بما تزخر به من طاقات جبارة ستنفجر عاجلا أو آجلا. صحيح أننا معرّضون لأخطار الفوضى والثورة المضادة وعودة الاستبداد مرة أخرى وطول الآجال لتحقيق أهدافنا،

لكن صحيح أيضا أننا اليوم قاب قوسين أو أدنى من هذا المريخ الذي بدا لنا يوما أملا حتى الحلم به جسارة مضحكة: مريخ الحرية والديمقراطية والتقدم، ولم لا في يوم من الأيام سنطأ المريخ الكوكب بأقدامنا وليس فقط بأحلامنا، وقد أصبحنا كما كنا أمة لا تضحك من جهلها الأمم. كان القرن الثامن عشر قرن الثورة الفرنسية والأميركية، وكان القرن العشرون قرن الثورة الروسية والصينية. أما القرن الواحد والعشرون فسيقول عنه المؤرخون إنه كان قرن الثورة العربية. هل سترفعنا هذه الثورة إلى القمم أم سترمينا في بؤر ربما تجعلنا نتحسر على ما فات كما يتحسر الشيوخ والعجائز في قرى روسيا على عهد ستالين؟

إنه التحدي الجبار المرفوع في وجوهنا ونحن أمام واحد من أخطر مفترقات الطريق الذي تمشي عليه هذه الأمة العظيمة منذ 15 قرنا.

قال أحمد شوقي:

  وما استعصى على قومٍ منالٌ   إذا الإقدامُ كان لهم ركابا

فلندر الظهر لطريق الفوضى والإحباط والعنف، وليكن الإقدام لنا ركابا نحو قمم المجد, فكونوا يا عربُ جديرين بمستقبلكم، وعلى موعد مع الملحمة المتجددة، محركها الثقة في الله وفي النفس وفي قدرتنا نحن أيضا على أن نأتي بما لم تستطعه الأوائل.

الاثنين، 21 فبراير 2011

خواطر من وحي الثورات



كم هو جميل أن يعيش المرء ليرى هذه الثورات العربية الكبرى تعم مدن وقرى الوطن العربي واحدة تلو الأخرى. أنا من جيل عاش معظم حياته مع خيبات الأمل وانحسار الكرامة العربية وتراجع الأمل، جيل عاصر الهزائم واحدة تلو الأخرى.

فقد شاهدت الثورة الفلسطينية التي حملت للشعب الفلسطيني والأمة العربية أحلام النصر والتحرير وهي تتراجع شيئاً فشيئاً حتى لم يبقى منها سوى الذكرى، رغم تحقيقها والشعب لعدد من الانتصارات المشرفة، لكنها كانت دائماً تتحول إلى هزائم وخسائر سياسية لأسباب متعددة أهمها سوء استغلال هذه الانتصارات ووجود أجندات خاصة وخفية لدى عناصر القيادة الفلسطينية التي عجزت أو رفضت استثمار تضحيات الشعب والجماهير من أجل تحقيق أهدافه وطموحاته.

والقيادات العربية التي كبرنا عليها كانت هي التي قامرت بنصر أكتوبر 73 لتجعله جسراً للتسوية والانتقال إلى معسكر العدو من خلال معاهدة كامب ديفيد وما تبعها من اتفاقيات وتجزئة للوطن العربي. وهكذا رأيت مصر -والمرارة في حلوقي والغصة في قلبي- تخرج من قيادة العرب إلى التبعية لأمريكا والصهيونية. فكان أن توالت النكسات والهزائم، من خروج المقاومة الفلسطينية من بيروت واحتلال جنوب لبنان عام 1982 إلى تفتت الدول واحدة تلو الأخرى واحتلال العراق وصولاً إلى تراجع الدور والمكانة العربية إلى أدنى درجاتها في كافة المجالات وانتشار البطالة والفقر وهجرة الشباب والخبرات إلى شتى بقاع العالم بعيداً عن الدول العربية.

لكن الله منّ علي وعلى أبناء جيلي بأننا شاهدنا ودعمنا وشجعنا ثورات الشباب من الجيل الأصغر في الكثير من أرجاء وطننا العربي لتكتسح الطغاة والعملاء وتزرع الأمل بإمكانية صياغة غد أفضل لأبناء الأمة وبناتها. أحداث جسيمة مرت علينا منذ بداية الألفية الجديدة التي يصح بحق تسميتها ألفية الجماهير العربية أو ألفية استعادة الكرامة العربية. فقد دخلنا الألفية الجديدة على وقع انتصار المقاومة اللبنانية وتحرير الجنوب اللبناني المحتل منذ عام 1982، وبعض أجزائه كانت محتلة منذ عام 1978. ثم كان انتصار المقاومة مرة أخرى في وجه العدوان الصهيوني عام 2006، وتبعه الصمود الاسطوري للمقاومة الفلسطينية في غزة عام 2009، وصولاً إلى الثورات الجماهيرية السلمية الناجحة التي تشهدها العديد من الدول العربية حالياً. لقد صدق السيد نصر الله عندما قال إن عصر الهزائم قد انتهى وعصر الانتصارات قد ابتدأ.

الآن فقط أصبحت أدرك ما الذي كان يشعر به جيل الستينات عندما يقال إنهم عاشوا عهد الثورة والعزة والاستقلال، عصر مجد الإنسان العربي واحترامه في أنحاء العالم. عصر مازالوا يحنون إليه ويعودون إليه بالذاكرة بحثاً عن الكرامة المفقودة والآمال الضائعة والأحلام المتلاشية.

نعم هي انتصارات صغيرة، لكنها بالتأكيد تراكمية وستشكل رافعة تاريخية وسياسية لما هو قادم من أيام مليئة بالكرامة والعزة والحرية والنصر لكل الوطن العربي بشبابه وشيابه، بأطفاله ونسائه. ونحن من الذين أسعدهم الحظ بأن شاهدوا بعد عقود من الهوان والهزيمة والذل أيام العز هذه تطل من جديد مبشرة بمستقبل أفضل لنا ولأولادنا في وطن حر كريم يضمن لأبنائه الكرامة والنزاهة والعيش الكريم في حرية وعدالة وإخاء يجمع ولا يفرق. وما هي إلا سنين لن تتجاوز العشرين على أكثر تقدير ونعود إلى فلسطين الحرة المحررة رافعين لواء النصر لنصلي في المسجد الأقصى ونعيد بناء ما دمره الاحتلال في وطننا لنجعله كما كان دائماً وطناً لكل العرب وقبلة لكل المسلمين ونعيد له مكانته كمركز للعلم والثقافة والفنون والاقتصاد في المنطقة.